عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
492
معارج التفكر ودقائق التدبر
وتعلمون دلالات كلماته ، وجعلكم في الحياة الدّنيا ممتحنين ومكلّفين ، وملاحقين بالحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء ، ورتّب في خطّته أن تموتوا بعد رحلة امتحانه لكم ، ثمّ تبعثوا يوم القيامة لإكمال الغاية من امتحانكم ، ومتى رجعتم إلى الحياة بعد انفصالها عن نفوسكم ، فإلى اللّه ترجعون ليحاسبكم ويفصل القضاء بينكم ، ويجازيكم على ما أسلفتم في رحلة امتحانكم . وقد كنتم تحت المراقبة التّامّة المستمرّة ، فربّكم محيط بكلّ ما كنتم تعملون ، وكان عليكم مراقبون من الملائكة يسجلون أقوالكم وأعمالكم الظّاهرة والباطنة ، الجسديّة والنفسيّة ، وكانت خلايا أجسادكم وجوارحكم وجلودكم تسجّل عليكم كلّ ما يصدر عنكم ، وهي حين تستنطق تشهد عليكم ، وكنتم تستخفون بمعاصيكم وجرائمكم وآثامكم بعيدين عن أعين النّاس ، ولكن ما كنتم تستطيعون أن تستتروا لئلا يراكم ربّكم ومراقبوكم من ملائكته . * وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ . . . : أي : وما كنتم تستطيعون أن تستتروا بأعمالكم الإجراميّة الكفريّة عن سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ، فهي أجزاء من ذواتكم ، وما كنتم تتوقّعون أن تسجّل فيها أعمالكم ، وأن ينطقها ربّكم شاهدات عليكم . وتقدير العبارة للدّلالة على هذه المطويّات يمكن أن يكون : وما كنتم تستطيعون أن تستتروا حذر أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ؛ لأنّها جزء من ذواتكم الكاسبة ، ولأنّكم ما كنتم تتوقّعون أن تكون شاهدة عليكم عند ربّكم بما هو مسجّل فيها ، لحظة فلحظة طوال رحلة امتحانكم في الحياة الدّنيا .